مقال لبهاء طاهر ملحق بترجمة المسرحية فى العدد الأول من مجلة المسرح 1964 مسرحية ( فى انتظار جودو ) هى أولى مسرحيات الكاتب الطليعى ، الأيرلندى الأصل الإنجليزى النشأة الفرنسى بحكم إقامته شبه الدائمة وانتمائه إلى الحركة الثقافية فى فرنسا – صمويل بيكيت . هى أولى مسرحياته ، وهى أيضاً أكثرها رواجاً على المسرح ، وفى النشر وفى الترجمة ، إذ ترجمت إلى حوالى عشرين لغة فى أعقاب صدورها – فلماذا حققت المسرحية هذه الإستجابة المباشرة السريعة .. ؟
لقد عرضت مسرحية فى انتظار جودو لأول مرة فى باريس سنة 1953 فى السنوات الحرجة التى أعقبت الحرب والتى ما زلنا نعيشها على نحو ما ، كُتبت المسرحية فى جو من عدم الثقة والخوف وخيبة الأمل التى عاشتها أوروبا ، وقد عادت الأمور إلى التأزم حتى قبل أن ينجلى غبار المعركة . تلك كانت السنوات العاصفة : حصار برلين وكوريا ، والخطر الرهيب الذى عرف عندئذ لأول مرة ، خطر الإبادة الشاملة : القنبلة الذرية . وتلك أيضاً سنوات إزدهار الفكر الوجودى – فالإنسان فى محنته قد لجأ إلى الفلسفة التى تجعل من محنة الإنسان محورها – السنوات التى كان الناس يقرأون فيها ويكتبون بحماس عن سارتر ، وعن كامى ، وعن سيمون دى بوفوار – سنوات ( الأبواب الموصدة ) و( حالة الحضارة ) و( المثقفون ) – تلك الأعمال التى يجمعها على تباينها منطلق واحد هو إدراك عبث الحياة ومسايرة الوضع الإنسانى .
فى هذه الظروف ظهرت مسرحية ( فى انتظار جودو ) ولسوف نشعر فى المسرحية أن بيكيت قد تأثر بمعاصريه من الوجوديين حتى أن الناقد المسرحى الكبير ( إريك بنتلى ) يقول " إنها مسرحية تتضمن خلاصة الفكر الوجودى . لقد كان يمكن أن يكتبها سارتر "
ولكننا سنشعر أيضاً أن بيكيت يصدر عن أصول أخرى إلى جانب الفلسفة الوجودية ، فهو مشغول بالفكر الدينى المسيحى إلى أقصى حد .. نلمس ذلك من أولى صفحات مسرحيته . على أن النقلة ليست كبيرة كما يبدو لأول وهلة – فإن المسيحية تتضمن كثيراً من أصول الفكر الوجودى – والقديس أوغسطين الذى يعجب بيكيت بآرائه هو من آباء الفكر الوجودى بقدر ما هو من آباء الكنيسة المسيحية ومن قبل القديس أوغسطين فقد أعلن بولس الرسول أن حياة الإنسان على الأرض لا جدوى منها فى حد ذاتها إلا باعتبارها كفارة عن الخطيئة وانتظاراً للخلاص . وتقوم العقيدة المسيحية على أساس أن السيد المسيح بتضحيته قد خلّص الإنسان من الخطيئة الأولى – خطيئة آدم – وفتح أمامه طريق العودة إلى الجنة . وعلى الإنسان أن يعيش حياته على الأرض حاملاً صليبه الصغير ، أو قسطه من العذاب ليكون جديراً بهذا الخلاص . حياة الإنسان على الأرض إذن هى حياة منفى وجهاد ، فعلى الإنسان أن يجاهد ضد الخطيئة الأصلية الكامنة فى الجسد ى إلى أن يتحقق خلاصه الأول قبل يوم الدينونة – عندما يهزم الشر على الأرض فيعيش الناس ألف عام تسود فيها العدالة والخير ، وتزول الآلام والمخاوف ، وتتحقق مملكة السموات . والأناجيل كلها تحض على انتظار ساعة الخلاص هذه التى تجئ عندما يبلغ شقاء الإنسان مداه . هنا إذن نلمس عدة أفكار رئيسية : فكرة الخطيئة الأصلية والنفى ، وفكرة العذاب فى الحياة ، وفكرة انتظار الخلاص الذى لا نعرف فى أى ساعة يجئ ولكن يجب انتظاره وينبغى ألا تغفل العيون عن ارتقابه .
ولسوف تشعر فى مسرحية ( فى انتظار جودو ) أن كثيراً من الأفكار المسيحية تتردد أصداؤها فى ثنايا العمل ، وإن كان يجب أيضاً منذ البدء أن نحذر من أى تفسيرات شاملة للنص مبنية على أفكار مسبقة تفقد هذا العمل كثيراً من جوانبه الثرية ، إن لنا أن ننشد فهمه من خلال وجهة نظرنا ، ولكن ليس لنا أن نقديه فى إسار تفسيرات ميكانيكية قد نطمئن لها ولكن من شأنها أن تحرمنا من رؤية أوسع مدى . والحق أن الإطمئنان ليس هو بالذات الشعور الذى يسعى مثل هذا العمل إلى أن يخلقه فى نفوسنا ، بل إنه القلق ، والجهد الذاتى من المتفرج أو القارئ ، ليلتقى مع الكاتب التقاء مباشراً ويناقش فكرته ، من أجل ذلك سنقتصر فى هذه الكلمة على محاولة استجلاء النص من خلال النص ذاته دون أن نقحم أى أفكار مسبقة ..
وليس فى مسرحية ( فى انتظار جودو ) ثمة أحداث تروى . فلقد ضحى صمويل بيكيت بالعنصر الدرامى ، وبالقاعدى الأرسططالية قاعدة البداية والوسط والنهاية ، وهذا يتفق مع الهدف الذى يرمى إليه والذى يكرره مرات عديدة على لسان شخصياته إذ يقول " لا شيء يحدث " ومن ثم فليست هناك بداية أو نهاية . ولقد استعاض بيكيت عن هذا العنصر الدرامى بما يمكن أن نسميه بالصياغة المسرحية البارعة : بالبانتومايم الأداء الصامت ، وبالطاقة الشاعرية للحوار ، ثم أساساً بالمواقف الكوميدية البارعة . وبيكيت هنا يحمل أمانة التراث الأيرلندى العريق ، تراث وايلد وشو وسينج وأوكيزى ، فهو كاتب كوميدى من الطراز الأول ، يشيع فى حواره الفكاهة والتهكم وحتى النكتة اللفظية . وهو يسمى مسرحيته ( ملهاة مفجعة ) ( تراجيكوميدى ) فيشير بذلك إلى أن حياة الإنسان هى مأساة مفجعة ، أو أن المهزلة فى باطن المأساة ..
وتدور المسرحية فى فصلين لا يتغير فيهما المنظر ، والمنظر هو طريق مقفر ليس فيه سوى شجرة جرداء وهكذا فإننا منذ اللحظة الأولى لارتفاع الستار نواجه فكرة الإجداب التى ترادف عند معظم الكتاب – وكتاب المسرح بوجه خاص – فكرة عقم الحياة وعذاب الإنسان فى منفاه على الأرض . ونلتقى فى هذه البقعة الجرداء باثنين من المتشردين هما استراجون وفلاديمير وهما يذكران المرء بثنائى التهريج المعروف فى السيرك ، أو بلوريل وهاردى وأضرابهما . ونحن نعلم مما يدور بينهما من حوار أنهما مرتبطان ببعضهما ارتباطاً دام زمناًَ طويلاً ، وإنهما يفكران دائماً فى الإنفصال عن بعضهما ولكنهما لا يستطيعان كما يقول فلاديمير " البشرية هى نحن فى هذا المكان ، وفى هذه اللحظة من الزمان " فهما مأسوران إلى بعضهما بحتمية الإجتماع البشرى الذى قد يتوق الإنسان إلى الخلاص منه ولكنه لا يستطيع منه فكاكاً . وفلاديمير هو أعقل الإثنين منذ اللحظة الأولى . فاستراجون كما نعلم يقع دائماً ضحية عدوان فى الليل – إذ يضربه معتدون مجهولون – وقدمه دائماً تؤلمه بسبب حذائه الضيق ، واهتماماته قاصرة على آلامه وعلى طعامه وعلى نومه – وهو كما يصف نفسه ( شاعر ) يدرك الأمور بوجدانه – أما فلاديمير فهو رجل مفكر وعقله مشغول دائماً بمناقشة الآراء ، ولكنه لا يخلو من الآلام الجسدية أيضاً . فهو يعانى من اضطرابات فى أمعائه تضطره دائماً إلى أن يهرول خارج المسرح . يلتقى فلاديمير واستراجون فى عصر كل يوم فى تلك البقعة القاحلة لينتظرا من يدعى ( جودو ) .
وهو شخص ما نعرف أن فى يده خلاصهما مما يعانيان من ألوان الشقاء . وقد وعد جازماً أن يأتى ولكنه لم يحدد الوقت ولذا فإن وصوله متوقع فى أى لحظة . وفى خلال انتظار استراجون وفلاديمير نجد أن المشكلة الرئيسية التى تواجههما هى : كيف يقضيان الوقت ؟ كيف يعيشان إلى أن يحين وقت خلاصهما ، وفلاديمير يحاول فى أول المسرحية أن يجذب انتباه زميله إلى قصة استلفتت نظره فى الأناجيل – هى قصة اللصين المصلوبين اللذين وعد السيد المسيح أحدهما بالخلاص لأنه آمن ، وأدان الآخر لأنه رفض أن يؤمن – ويحاول فلاديمير أن يستخرج من هذه القصة معنى عاماً وهو أن أمل البشرية فى الخلاص مساو لمصير اللصين : خمسون فى المائة . ويرفض استراجون أن يجارى فلاديمير فى اهتمامه بهذه الفكرة ويذهب لينام ، ولكن فلاديمير لا يحتمل الوحدة فيوقظه وإن كان يرفض بعد ذلك أن يستمع إلى حلمه المزعج : فإن تكن الوحدة مستحيلة فإن المشاركة الكاملة أيضاً مستحيلة وعلى كل انسان أن يحتمل كابوسه الخاص . ويقترح استراجون كالعادة أن ينفصلا – ثم يعدلان عن ذلك – ويواجهان من جديد مشكلة الإنتظار والملل . ويقترح استراجون – كحل – أن ينتحرا ولكنهما لا يستطيعان ذلك أيضاً ، ولا يبقى أمامهما إلا أن ينتظرا جودو الذى تخليا له عن جميع حقوقهما – حتى حق البهجة والضحك – فى مقابل وعد منهم بالمعونة .
وبينما ينتظران جودو تظهر على المسرح شخصيتان جديدتان : بوزو وهو شخصية رهيبة متسلطة ، يسوق أمامه تابعه لاكى الذى يحمل متاعه بحبل مربوط فى عنقه .. ويختلف النقاد المسرحيون اختلافاً شديداً فى تفسير هاتين الشخصيتين – فهما عند البعض ( السيد ) و ( العبد ) وعند البعض الآخر ( المضحى ) و (المضحى فى سبيله ) وعند آخرين ( القوة ) و ( العقل ) ونكتفى نحن بأن نشير إلى أن شخصيات المسرحية هى تعبير عن مواقف من الحياة أكثر منها رموزاً – فنحن بعدما التقينا بفلاديمير واستراجون المرتكنين على وعد الخلاص نلتقى ببوزو ، وهو الرجل القوى الذى لا تشغله فكرة الخلاص ، والذى يعلن أن الأرض ملكه ويستنكر أن ينتظر أحد جودو فوق أرضه – أما لاكى التابع الذليل للرجل القوى فهو لم ينطق بكلمة واحدة منذ أن ظهر على المسرح إلا عندما وضعت القبعة فوق رأسه وطلب إليه أن يفكر . فهو إذن رجل الفكر الخالص الذى يسعى إلى أن يفسر كل شيء بالعقل وحده ، صحيح إنه يفشل فى ذلك وأن كلامه يبدو لنا متناقضاً ومضحكاًَ ولكن هذا يتفق وما يريد بيكيت أن يذهب إليه من انهيار سلطان العقل ، كما سنرى فيما بعد .
إن بوزو وإن كان يظهر لنا عند دخوله فى الفصل الأول قوياً مرهوب الجانب إلا إنه يحمل هو أيضاً بوادر انهياره – وأول هذه البوادر هى اعتماده على عبده لاكى فى كل شئون حياته ، وثانيهما حاجته الدائمة إلى صحبة الآخرين والتى تجعله بعد دخوله العاصف يرجو ويلح على استراجون وفلاديمير أن يبقيا معه ، وثالث هذه البوادر حاجته المستمرة إلى أن يبرز نفسه وإلى أن يؤكد ذاته ، ويتمثل ذلك عنده فى رغبته فى أن يكون بليغاً وشاعرياً . ويخبرنا بوزو أن كل الأفكار التى لديه إنما علمها إياه لاكى مفكره أوعقله الخاص ، إذن فقد دخلته أيضاً جرثومة الفكر بالإضافة إلى كل ذلك . وهو يخبرنا بأنه قد ضاق ذرعاً بتابعه وإنه يريد التخلص منه ولكننا نشك فى أنه سيفعل .
وعندما تنقضى فترة على وجود بوزو ويشغل استراجون وفلاديمير لفترة يفقدان اهتمامهما به ويعود الملل يستبد بهما ، وعندئذ يقترح عليهما بوزو أن يرد لهما صنيعهما بأن يستمعا إلى لاكى وهو يفكر . ويستهويهما الإقتراح ، وتوضع القبعة على رأس لاكى ، ، فيبدأ فى التفكير آلياً بمجرد وضع القبعة فوق رأسه ويفكر لاكى بصوت عال تفكيراً غريباً ، يقول فى خطبة طويلة مفككه لا معنى لأى عبارة منها على حدة ، ويرفض أن يكف عن الكلام رغم استنكار فلاديمير واستراجون واحتجاجهما على كلامه غير المفهوم ، إنه ليبدو وكأن العقل – وقد شاخ – اختلطت فيه كل الأفكار ببعضها دون ترتيب أو تنسيق . ولكننا رغم ذلك نستطيع أن نستشف من خطاب لاكى سخرية مريرة من الفكر الأوروبى ومنهاجه ، ومن منجزات هذا الفكر فى الفلسفة واللاهوت والعلم . وهو لا يوحى إلينا بإفلاس هذا الفكر فحسب بل إنه ليوشك أن يتنبأ فى خطابه بانهيار حضارة هذا الفكر ويخبرنا وسط عباراته المضطربة بأن الإنسان " يضمر ويضمحل " ثم يوشك أن يلمح فى نهاية حديثه إلى خطر فناء شامل بتكراره لكلمة " الجمجمة " .
ولا يكف لاكى عن سيل أفكاره التى تشبه ألحاناً تتكرر آلياُ فى اسطوانة قدمية مشروخة إلا عندما تُنزع القبعة من فوق رأسه فى عراك يشتبك فيه الجميع .. وفى خلال هذا العراك يفقد بوزو ساعته ، ويوحى إلينا بيكيت بهذا أنه بانهيار العقل والفكر يفقد الزمن مدلوله .
وعندما يخرج بوزو أخيراً بعد تردد طويل وهو يسوق أمامه لاكى يبقى استراجون وفلاديمير ويدخل غلام نعرف أنهما قد رأياه من قبل ويتوقعان وصوله ، بل وأنهما يعرفان مضمون رسالته . أما رسالته فهى أن جودو لن يصل ولكنه سيأتى فى اليوم التالى بالتأكيد . ولا يبقى أمام استراجون وفلاديمير إلا أن ينصرفا . ويعلنان أنهما ذاهبان ولكن الستار يسدل وهما فى مكانهما لا يتحركان . ويبدأ الفصل الثانى فى اليوم التالى فى نفس الموعد والمكان . يبدأ بفلاديمير وحده يحاول أن يسر عن نفسه بأغنيته عن كلب سرق قطعة من الخبز فضربه الطباخ حتى مات . وتدور معانى هذه الأغنية حول الحرمان والقوة والموت . وهى أفكار تتكرر بصورة أو بأخرى فى خلال المسرحية كلها . ثم يدخل استراجون المسرح بعد قليل وهو فى حالة نفسية سيئة لقد ضربه معتدون مجهولون كالمعتاد ، ولقد نسى كل شيء عن الأمس كالمعتاد . إنها نفس الأشياء القديمة . إنها نفس الحياة المملة . دورة الأشياء المألوفة التى تتعاقب يوماً بعد يوم دون معنى أو هدف . وتثور ثائرة استراجون عندما ينبه فلاديمير إلى أن الشجرة قد أنبتت بضع أوراق ويقول لصاحبه " لقد عشت طوال حياتى القذرة زاحفاً فى الطين وأنت تتحدث إلىّ عن المناظر الجميلة . أنت ومناظرك ، حدثنى عن الديدان "
وهنا يذكر المرء على الفور ما يقوم به بعض الوجوديين الذين يضعون فى مقابل فكرة عبث الحياة فكرة قيمة " الحياة فى ذاتها " أو فكرة الجمال والبهجة الحسية ، ثم يبدو لنا أن بيكيت يرفض هذا الإتجاه فى جملة ما يرفض .
وتمضى المسرحية بعد ذلك فى جزء من أهم أجزائها إذ يحاول استراجون وفلاديمير أن يفعلا شيئاً ما ، أى شيء ولكنهما يفشلان . يفشلان فى تبادل الحديث ، وفى ممارسة هوايتهما المفضلة بتكرار المصادفات التى توحى بإفلاس اللغة كوسيط للفكر ، ويفشلان فى أن يمزحا معاً ، ويفشلان فى أن يلعبا الرياضة ، إنهما يدركان سخف ما يفعلان ، ويجعل هذا الوعى من كل نشاط عبثاً لا معنى له .
ووسط هذا الملل القاسى يدخل بوزو مرة أخرى وهو يسوق أمامه لاكى ، بوزو الآن أعمى وضعيف كما أن لاكى الآن الآن أصم وأبكم ، والحبل الذى يسوق به بوزو لاكى قد صار أقصر من ذى قبل ، إن المسافة بينهما قد اقتربت . لقد انهار الرجل القوى كما انهار من قبل الرجل المفكر . وهو هنا ينهار انهياراً مادياً فهو يتعثر ويسقط على المسرح مع تابعه ويعجزان عن النهوض ويصرخ بوزو طالباً النجدة .. ويقترح استراجون أن يعيناه على النهوض لقاء أجر معين ويرفض فلاديمير هذا ويقترح أن يعيناه بلا مقابل " فنمر الغابة يهب لمساعدة أقرانه بلا تردد " ولكن فلاديمير يمضى فى تبرير وجهة نظره الإنسانية زمناً طويلاً حتى ينسى فى النهاية ماذا كان يردي أن يفعل بينما بوزو مازال يصرخ طالباً النجدة . وأخيراً يتقدم فلاديمير واستراجون لمساعدة بوزو ولاكى فيسقطان هما أيضاً ويعجزان عن النهوض : إنهما حتى حينما اقتنعا بقيمة المساعدة وحاولا أن يساعدا عجزا عن ذلك . هو سقوط رمزى عجز الإنسان فيه أن يمد يده بالمعونة للإنسان وبرزت الحاجة إلى عون خارجى تلمسه استراجون فى سحابة عابرة ولكن هذا العون لم يصل . وأخيراً يرفض فلاديمير واستراجون إلا أن ينهضا بمجهودهما الخاص ويساعدان بوزو على النهوض ..
ويسأل فلاديمير بوزو متى فقد بصره ، فتثور ثائرة بوزو ويقول لسائله " متى .. متى .. فى يوم ما .. أليس هذا كافياً بالنسبة لك ؟ فى يوم ما مثل غيره من الأيام . فى يوم ما أصبح لاكى أبكم ، فى يوم ما أصبحت كفيفاً ، فى يوم ستصير أصماً ، فى يوم ما ولدنا ، فى يوم ما سنموت .. ألا يكفيك هذا ! إنهن يلدننا إلى جانب القبر فيومض الفجر للحظة من الزمان ثم يهبط الليل من جديد ..
إذن فقد فقد الزمن معناه عندما جرد من تتابعه الآلى . وأصبحنا نعى أن هناك خلف التغير الدائم للأشكال لوناً من الجمود المطلق والثبات حيث لا شيء يحدث .
وهكذا فإنه عندما يخرج لاكى يبقى فلاديمير واستراجون فى نقطة البدء . فى نفس النقطة ، فى انتظار جودو . ويغفو استراجون بينما يستبد القلق بفلاديمير وتعذبه هذه الفكرة التى عرضها بوزو فيقول لنفسه : " عندما استيقظ مع صديقى استراجون وننتظر جودو هل نقول أن بوزو قد مر من هنا وتحدث إلينا ؟ ربما .. ولكن أى حقيقة ستكمن فى هذا القول .. إن استراجون لن يعرف شيئاً .. سو يحدثنى عن الضربات التى تلقاها ، وسوف أعطيه جزرة وسيستمر كل شيء كما كان "
ويستمر كل شيء كما كان بالفعل فيأتى الغلام رسول جودو ويبلغ نفس الرسالة : أن جودو لن يأتى اليوم ولكنه سيأتى فى الغد ولن يخلف موعده . نفس الرسالة ونفس ردود الفعل . أسئلة للغلام ، وتفكير فى الإنتحار ، وعجز عن الإنتحار . وتنتهى المسرحية بفلاديمير وهو يطلب من استراجون أن يشد سرواله الذى تهدل ، وبعبارة أخرى أن يواصل الحياة ..
***
إن مسرحية ( فى انتظار جودو ) كما نرى عمل طموح فى نطاقها المحدود وبشخصياتها القليلة تسعى إلى أن تصور محنة الإنسان الشاملة فى أبعادها المختلفة وينجح صمويل بيكيت بمقدرة فائقة على التركيز ، شأن الكاتب المسرحى الموهوب ، فى تحقيق هذا الغرض . ويبدو أن هذا هو اليقين الوحيد الذى يمكن الوصول إليه فيما يتعلق بالمسرحية . ولا يستطيع المرء أن يجزم بمثل هذه السهولة بما يشير إليه بيكيت ، فتجاوز هذا الوضع المأساوى – إن كان هذا يشير إلى أى طريق على الإطلاق – يترك الباب مفتوحاً عن عمد فيرى البعض فى موقفه رفضاً مطلقاً للحياة ، ويرى آخرون إنه موقف شك وتردد ، ويرى غيرهم أن المسرحية دعاء حار من أجل الخلاص .. حسناً ؟ .. لير كل منا ما يريد أن يراه – ولكن اللقاء المباشر بين الكاتب والقارئ كما ذكرنا – هو السبيل الوحيد إلى رؤية أبعد مدى .