٢٨‏/٠٩‏/٢٠٠٩

ملاحظات عن معنى (فصل بلا كلمات)

كتبت من عام ونصف تقريبا مقالا أقارن فيه بين مقال (ما الميتافيزيقا) الشهير للفيلسوف الألمانى مارتن هايدجر وفصل بلا كلمات لبيكيت ، وقد نشرت هذا المقال هنا ، واليوم أنا لا أريد أن أكرر ما كتبته ساعتها ، إنما أريد أن أذكر بعض الملاحظات ، كإضافة لما كتبته فى المقال من جهة ، و لرصد بعض المعلومات التى لم تكن تخص مضمون المقال من جهة أخرى .

كتب صمويل بيكيت (فصل بلا كلمات) عام 1957 ، كتبها بالفرنسية (لغته الثانية) ثم ترجمها بنفسه إلى الإنجليزية ، وهى عادته التى مارسها على العديد من إبداعاته وأهمها مسرحيته الأساسية (فى انتظار جودو) ، فقد كان بيكيت يفضل الفرنسية عن الإنجليزية ، وتمييز المسرحية بإنها (فصل بلا كلمات 1) هدفه التفرقة بينها وبين (فصل بلا كلمات 2) التى كتبها عام 1958 .

ومسرحية (فصل بلا كلمات) هى مسرحية تنتمى إلى الفلسفة الوجودية ، هذا لا يعنى أن بيكيت كاتب وجودى ، ولكن بقراءة دقيقة للمسرحية ستجد العديد من الأفكار الوجودية فى مضمون النص ، والوجودية المقصودة هنا ليست فقط الوجودية بشقيها الهايدجرى والسارترى ، ولكن كتاريخ ممتد بداية من كيركجور ونيتشه فى القرن السابق لكتابة المسرحية ، ومن أبرز الأفكار الوجودية فى النص فكرة استبعاد المنطق والعقل فى الوصول للحقيقة ، لقد حاول بطل المسرحية استخدام عقله فى إخضاع الأدوات التى تحيطه ولكنه فشل فى ذلك ، كإنه إعلان فشل لطموح النهضة الفلسفية الحديثة (أحلام ديكارت وبيكون) ، وهذا ملمح وجودى ، فهايدجر استبعد العقل والمنطق والعلم ورأى إنه عن طريق المشاعر (كالقلق) يمكننا أن نصل للحقيقة ، أما أفكار (الإنسان الملقى به) ، وبداية الشقاء ببداية الوجود الإنسانى وغيرها ، فقد ناقشتها فى المقال المذكور سلفا . ولكنى أريد أن أؤكد على أن نهاية المسرحية تحمل فارقا بين فكر بيكيت والفكر الوجودى ، ففى رأيي أن الفلسفة الوجودية فلسفة متفائلة ، عكس ما شاع حولها من أنها متشائمة ووفقا لدفاع سارتر عنها (فى الوجودية مذهب إنسانى) ، هايدجر -كما قلنا- فى مقال (ما الميتا فيزيقا) عن طريق مشاعر تبدو سلبية (القلق) رأى أنه استطاع الوصول لحقيقة ما ، فى حين أن نص بيكيت متشائم ، وإن كنت قرأت أخيرا رأيا يرى أن عدم استجابة البطل للصافرات فى نهاية المسرحية هو نوع من التمرد (ملمح إيجابى) ، وهذه فكرة تقرّب بيكيت من هايدجر .

بيكيت فى هذه المسرحية ، ومرة أخرى كعادته ، يستغل ثقافته الواسعة ، ليس فقط فى التأثر بالوجودية ، وقد تأكدنا هنا إنه اطلع على هايدجر ، ولكن أيضا فى استخدامه أسطورة تنتالوس الذى رآه أوديسيوس لما زار العالم الآخر ، وكان يعاقب من قبل الآلهة ، بإنه كان يقيم بجانب بحيرة وبجانبه شجرة فاكهة ، وكلما يريد قطف ثمار الشجرة ، ترتفع فروعها بعيدا عن متناوله ، وكلما انحنى ليشرب ماء من البحيرة ينحسر الماء بعيدا عن فمه ، وهذا تقريبا ما كان يحدث لبطل (فصل بلا كلمات) وكأنه يعاقب من قبل قوى مجهولة ، من جهة أخرى هناك اعتماد بيكيت على كتاب العالم الألمانى كوهلر (عقلية القرود) الذى كتب فيه عن تجربة على القرود كانت تضع القرود فيها المكعبات على بعضها لتصل لثمار الموز ، مثلما كان يحاول بطل المسرحية من أجل الوصول لقنينة الماء.

حالة تجربة كل شيء ممكن فى العالم المتاح ثم الوصول لنتيجة هى عدم التعويل على الأشياء (عدم التعويل على العالم) ربما تبدو أقرب لحالة صمويل بيكيت الحياتية نفسها ، بيكيت ، قبل كتابة هذه المسرحية ، كان يمر بتجربة حياتية ثرية ، ما بين تفوقه الدراسى وتجوله فى أنحاء أوروبا ، وعلاقته مع جيمس جويس وقصة حبه المضطربة مع ابنته لوشيا واشتراكه فى الحرب العالمية الثانية فى صفوف المقاومة الفرنسية وصولا إلى بزوغ شهرته وتأكيد موهبته مع نشر مسرحيته (فى انتظار جودو) ، بعد ذلك اختار بيكيت نمط حياة هادئ ، امتد من نهاية الخمسينيات حتى نهاية حياته 1989 ، لم يكدر نمط الحياة الرتيب سوى نجاح بعض أعماله وفوزه بجائزة نوبل عام 1969 ، إذن فكأن بيكيت بهذا النص يكرس لمعتقده ونمط حياته الذى سيتبعه إلى النهاية .

***

لمزيد من المعلومات:

الإنسان بين ميتا فيزيقا هايدجر وفصل بيكيت الصامت

صفحة المسرحية على ويكيبيديا

عن مسرحيتى (فصل بلا كلمات 1و2)

٢٦‏/٠٩‏/٢٠٠٩

فصل بلا كلمات 1

فصل بلا كلمات 1
أداء حركى لممثل واحد



تأليف : صمويل بيكيت

ترجمة : أمير زكى

النص الإنجليزى والصور التوضيحية من موقع صمويل بيكيت

---------------


صحراء ، ضوء شمس ساطع .

يدخل رجل إلى المسرح بظهره مقذوفا من جهة اليمين ، يسقط ، ينهض فى الحال ، ينفض ملابسه ، يستدير ، ويفكر .
صفير من جهة اليمين .

يفكر ، يخرج من جهة اليمين .فى الحال ، يعود بظهره مقذوفا إلى المسرح ، يسقط ، ينهض فى الحال ، ينفض ملابسه ، يستدير، يفكر .

صفير من جهة اليسار .

يفكر ، يخرج من جهة اليسار .
فى الحال يعود بظهره مقذوفا إلى المسرح ، يسقط ، ينهض فى الحال ، ينفض ملابسه ، يستدير ، يفكر .

صفير من جهة اليسار .

يفكر ، يتجه نحو اليسار ، يتردد ، يتأمل الأمر بروية ، يتوقف ، يستدير ، يفكر .
شجرة صغير تهبط من أعلى وتحط على الأرض .
الشجرة بها فرع واحد يعلو ثلاث ياردات (1) عن الأرض ، وعلى قمة الشجرة حزمة ضئيلة من سعف النخيل تلقى على الأرض دائرة من الظل .

يستمر فى التفكير .
صفير من الأعلى .

يستدير ، يرى الشجرة ، يفكر ، يذهب إليها ، يجلس تحت ظلها ، وينظر إلى يديه .يهبط من الأعلى مقص خياطين ، ويتوقف بجانب الشجرة ، على بعد ياردة من الأرض .يظل الرجل ينظر إلى يديه .

صفير من الأعلى .

يرفع رأسه فيرى المقص ، يأخذه ويبدأ فى تقليم أظافره .


ينطوى سعف النخيل مثلما تغلق الشمسية فيتلاشى الظل ، يسقط الرجل المقص ، ويفكر .

تهبط قنينة صغيرة ، معلق بها بطاقة ضخمة مكتوب عليها (ماء) ، تهبط من الأعلى على بعد ثلاث ياردات من الأرض حيث تظل معلقة . يستمر الرجل فى التفكير .
صفير من الأعلى .

يرفع رأسه ، يرى القنينة ، يفكر ، ينهض ، يذهب ويقف تحتها ، يحاول أن يصل إليها ولكن بلا جدوى ، يستسلم ، يستدير ، ويفكر .

يهبط مكعب كبير من الأعلى ويحط على الأرض .

يستمر الرجل فى التفكير صفير من الأعلى .

يستدير ، يرى المكعب ، ينظر إليه ، ثم ينظر إلى القنينة (2) ، يذهب إلى المكعب ، يرفعه ، ينقله ويضعه تحت القنينة ، يختبر ثباته ، يصعد عليه ، يحاول أن يصل للقنينة ولكن بلا جدوى ، يستسلم ، ينزل ، يعيد المكعب إلى مكانه ، يستدير ، يفكر .
مكعب ثان أصغر حجما يهبط من الأعلى ويحط على الأرض .
يستمر الرجل فى التفكير .

صفير من الأعلى .

يستدير ، يرى المكعب الثانى ، ينظر إليه ، ثم إلى القنينة ، يذهب للمكعب الثانى ، يرفعه ، ينقله ويضعه تحت القنينة ، يختبر ثباته ، يصعد عليه ، يحاول أن يصل للقنينة ولكن بلا جدوى ، يستسلم ، ينزل ، يرفع المكعب الثانى ليعيده إلى مكانه ، يتردد ، يفكر مليا فى الأمر ، يضع المكعب ، ويذهب للمكعب الضخم ، يرفعه ، ينقله ويضعه على المكعب الصغير ، يختبر ثباتهما ، يصعد عليهما ، يقع المكعبان ، يسقط الرجل ، ينهض فى الحال ، ينظف ملابسه ، يفكر .


يأخذ المكعب الصغير ، يضعه على الكبير ، يختبر ثباتهما ، يصعد عليهما ، ويكاد يصل للقنينة ، فترتفع القنينة قليلا وتتوقف بعيدا عن متناوله .

ينزل ، يفكر ، يعيد المكعبين لمكانيهما واحدا بعد الآخر ، يستدير ، يفكر .

مكعب ثالث أصغر يهبط من الأعلى ويحط على الأرض .

يستمر الرجل فى التفكير .

صفير من الأعلى .

يستدير ، يرى المكعب الثالث ، ينظر إليه ، يفكر ، يستدير ، ويفكر .

يرتفع المكعب الثالث ويختفى فى الأعلى .

يهبط حبل من الأعلى إلى جانب القنينة ، حبل بعُقَد ليسهل استخدامه .

يستمر الرجل فى التفكير .

صفير من الأعلى .

يستدير ، يرى الحبل ، يفكر ، يذهب إليه ، يصعد عليه ويكاد يصل للقنينة ، فتنفك عقد الحبل ، فيسقط الرجل على الأرض .

يفكر ، ينظر حوله من أجل المقص ، يراه ، يذهب ليلتقطه ، ثم يذهب إلى الحبل ويبدأ فى قطعه بالمقص .

يرتفع الحبل إلى أعلى ، يحمل معه الرجل من على الأرض ، يتعلق الرجل بالحبل ، ينجح فى قصه ، فيسقط بظهره على الأرض ، ويسقط المقص ، ينهض مرة أخرى فى الحال ، ينظف ملابسه ، يفكر .

يرتفع الحبل بسرعة ويختفى فى الأعلى .

ببقية الحبل الذى معه يصنع أنشوطة (3) يحاول بواسطتها أن يطوّق القنينة .

ترتفع القنينة بسرعة وتختفى فى الأعلى .

يستدير ، يفكر .

يذهب وفى يديه الأنشوطة نحو الشجرة ، ينظر إلى فرعها ، يستدير وينظر إلى المكعبين ، ينظر مرة أخرى إلى الفرع ، يُسقط الأنشوطة ، يذهب إلى المكعبين ، يرفع الصغير ، ينقله ويضعه تحت فرع الشجرة ، يعود للمكعب الكبير ، يرفعه وينقله تحت فرع الشجرة ، حتى يضعه على المكعب الأصغر ، يتردد ، يفكر مليا فى الأمر ، يضع المكعب ، ثم يأخذ الصغير ويضعه على المكعب الكبير ، يختبر ثباتهما ، يستدير وينحنى ليلتقط الأنشوطة ، يتراخى فرع الشجرة جهة جذعها ، ينتصب الرجل والأنشوطة فى يديه ، يستدير ويرى ما حدث ، يُسقط الأنشوطة ، يستدير، يفكر .

يعيد المكعبين لمكانيهما ، واحد بعد الآخر ، ويتوجه نحو الأنشوطة ، يحملها نحو المكعبات ويضعها دائرية دقيقة على المكعب الصغير .

يستدير ، يفكر .

صفير من جهة اليمين .

يفكر ، يخرج جهة اليمين .

فى الحال يعود بظهره مقذوفا إلى المسرح ، يسقط ، ينهض فى الحال ، ينظف ملابسه ، يستدير ، يفكر .

صفير من جهة اليسار .

لا يتحرك .
ينظر إلى يديه ، ينظر حوله من أجل المقص ، يراه ، يذهب ويلتقطه ، يبدأ فى تقليم أظافره ، يتوقف ، يفكر ، يُجرى أصابعه على نصل المقص ، يذهب ويضعه على المكعب الصغير ، يستدير ، يفتح ياقة قميصه ، يحرر رقبته ويلامسها بأصابعه .

المكعب الصغير يرتفع ويختفى فى الأعلى ، حاملا معه الحبل والمقص . يستدير ليأخذ المقص ولكنه يرى ما حدث ، يستدير ، ويفكر .
يذهب ويجلس على المكعب الكبير، يُسحب المكعب من تحته ، يسقط الرجل ، يرتفع المكعب ويختفى فى الأعلى ، يظل الرجل مستلق على جانبه ، وجهه نحو الجمهور ، ينظر أمامه .

تهبط القنينة من الأعلى وتستقر على بعد عدة أقدام منه . (4)

لا يتحرك .

صفير من الأعلى .
لا يتحرك .

تهبط القنينة ، من الأعلى ، تتدلى وتتأرجح أمامه .

لا يتحرك .

ترتفع القنينة وتختفى فى الأعلى ، يعود الفرع لوضعه الأفقى ، ينفتح سعف النخيل ، يعود الظل .

صفير من الأعلى .
لا يتحرك .

ترتفع الشجرة وتختفى فى الأعلى .

ينظر إلى يديه .

ستار

-----------

(1) الياردة Yard: 91.44سم .
(2) الفارق بين الرؤية والنظر سيتكرر وفقا للفارق بين كلمتى see و look فى النص الإنجليزى ، الأولى سنسنخدم بمعنى حاسة البصر ، الثانية بمعنى التدبر .
(3) حبل مشنقة .
(4) القدم حوالى ثلث متر .
--------------
فى حالة الرغبة فى استخدام الترجمة بأى طريقة رجاء ذكر اسم المترجم ومصدر الترجمة

١٥‏/٠٨‏/٢٠٠٩

فى انتظار جودو - مسرحية إذاعية

٢٦‏/٠٦‏/٢٠٠٩

المخلص دوما .. سام


المخلص دوما .. سام
دوايت جارنر


مقال مترجم عن (النيويورك تايمز) :


http://www.nytimes.com/2009/03/06/books/06Book.html?_r=1&em




سيكون صعبا على التصديق أن نعرف أن صمويل بيكيت - أحد أكثر كتاب القرن العشرين صمتا وغموضا ، والرجل الذى قال " إن كل كلمة هى لطخة غير مجدية على صفحة الصمت والعدم " – هو أحد أكثر كتّاب الخطابات غزارة فى هذا القرن .

* خطابات صمويل بيكيت ، المجلد الأول (1929-1940)
المحررتان : مارثا دو فزنفيلد ، لويس مور أوفربيك
الكتاب مزود بالصور ، 782 صفحة ، طبعة جامعة كامبريدج ، 50 دولارا

تم اكتشاف أكثر من 15 ألف خطاب لبيكيت ضمن الأرشيفات والمجموعات الخاصة ، وخططت جامعة كامبريدج لنشر مختارات من هذه الخطابات فى أربعة مجلدات من الحجم الكبير. وقد تم إصدار المجلد الأول منهم فيما يقرب من 800 صفحة .

المجلد الأول مثقل بالملاحظات الأكاديمية التى قد تجعلنا ننغمس فى الكتاب وكأننا على مكتبنا الدراسى ، ولكن علينا أن نقرأ الكتاب بعيدا عن ذلك ، فبيكيت الذى نقابله فى هذه الخطابات المذهلة – التى كتب معظمها فى نهاية العشرينيات من عمره وبداية الثلاثينيات – هو وقح بشكل لافت وذو بديهة حادة ، إلا أنه فى معظم الأحيان – وهذا يفاجئنا – يكون عاطفيا وحميما .

كتب بيكيت خطاباته من عدة مدن ، من ضمنها باريس ، دبلن ، لندن ، ودرسدن ، كان بيكيت يرتحل للالتحاق بوظائف للتدريس وللمتعة وليوفر لذهنه مساحة للتأمل والكتابة . وكان فى معظم الأحيان وحيدا ومنعزلا ، ولكن مع ذلك كان لديه عدة أصدقاء ، منهم جيمس جويس ونانسى كونارد وبيجى جوجنهايم ، والرسام جاك باتلر ييتس شقيق الشاعر ويليام باتلر ييتس.

الخطابات جعلت بيكيت يحتك بالعالم الواسع ، وقد ذكرت المحررتان أنه كان يرد على كل الخطابات التى كان يتلقاها بطريقة مناسبة ومهذبة ، واعتاد بيكيت على أن يختم خطاباته بعبارات مثل : " صديقك المخلص " ، " تحياتى الطيبة " ، " باركك الله " ثم يوقع ببساطة : " سام " Sam .

وإعداد الخطابات للنشر لم يكن عملا سهلا ، فقد كان يكتبها بثلاث لغات : الإنجليزية والفرنسية والألمانية ، والخطابات ممتلئة بالاشتقاقات والتوريات ، وقد ذكر أحد المتخصصين فى دراسة المخطوطات أن بيكيت يملك أسوأ خط يد بين أدباء القرن العشرين .

ومن المدهش لنا أن نعرف أن بيكيت – قبل أربع سنوات من وفاته – سمح بنشر الخطابات ولكن على شرط هو : " أن تنشر فقط الخطابات التى لها صلة بأعمالى الأدبية ." ، هذا يبدو رأيا معقولا ، ولكن عمليا ما الذى يعنيه ذلك ؟ ، إن بيكيت لم يعد بيننا الآن ليقرر . المحررتان قررتا أن تتبعا سياسة ترى أن كل شيء كتبه بيكيت يلقى الضوء على أعماله الأدبية المنشورة ، ولكن هناك إشكالية تم تجاهلها وسط هذا البحث ، هى أن هذا الكتاب الرصين يحتوى على مختارات من الخطابات وليس تجميعا لها .

بيكيت قال للمحررتين أيضاً : " أرجوكما .. لا تعليقات " ، وكان ردهما : " لن نعلق ، ولكن لا بد من أن يكون هناك سياق . " وقد كان السياق غزيرا ، إلى حد أن الفقرات التى تعقب كل خطاب كانت غالبا تتجاوز حجم الخطابات نفسها .

جاهد بيكيت ما بين عامى (1929-1940) ليرى أعماله الأولى منشورة ، ومن أعمال هذه المرحلة كانت مجموعته القصصية (وخزات أكثر منها ركلات) 1934، ورواية (مورفى) 1938 ، وقد كان قلقا حول مدى انتشارهما وشعبيتهما . كان بيكيت يلتهم كتب الفن والموسيقى ، والخطابات ممتلئة بآرائه النقدية ، وقد كانت لاذعة ، يقول فى عام 1934 : " دبلن تختبر عدم صبر المرء ، أما لندن فتختبر صبره . " وفى عام 1937 : " إليوت ليس سوى مرحاض يصرّف فضلاته إلى الخارج . "

ومن أبرز ما عرفناه عن بيكيت هنا هو طريقته الحادة فى الكتابة ، وقد قال عن كتاب دارون (أصل الأنواع) : "إنه كُتب بصورة سيئة" . وقال عن بعض أعمال بروست إنها : " صوت وهمى ناتج عن معدة مصابة بالمغص . " ، أما لورنس فهو : " وهج بشع للكآبة ."

وكثيرا ما كان يتقمص دور المضطهَد ، وقد كتب فى أحد خطاباته : " الآنسة كوستللو قالت لى مرة أنه ليس لدىّ أى شيء جيد لأقوله عن أحد سوى إحصاء الإخفاقات ، وأعتقد أن هذا هو أفضل شيء قيل عنى من فترة طويلة . "

وقد كانت آراؤه الاستطيقية (الجمالية) مميزة ، وقد كتب فى عام 1934 : " الباليه يضايقنى بسبب الدور الثانوى للموسيقى فيه ، ففى رأيي أن الموسيقى الجادة لا تُستخَدم أبدا . "

ولأن الكتاب متعلق فقط بالخطابات المتصلة بأعمال بيكيت الأدبية ، فإن القارئ سيجد أن بعض الأحداث قد تم إهمالها أو تجاهلها بشكل ما ، وسيكون على القارئ أن يستنتج كيف توترت العلاقة بينه وبين جويس بعدما رفض بيكيت أن يطلب يد لوشيا ابنته ، أما علاقة بيكيت ببيجى جوجنهايم فقد ذُكرت بشكل عابر . وفى نهاية الكتاب كان هناك حديث حول زوجة بيكيت المستقبلية سوزان ديكوفو دوميسنيل ، التى أصبحت مقربة منه بعدما زارته فى المستشفى عندما تعرض للطعن من شحاذ فى شوارع باريس .

بالإضافة إلى ذلك سوف يعرف القارئ الكثير عن مشاكل بيكيت الصحية ، فقد كان يعانى من عدم انتظام فى دقات القلب ، وخراريج على الرقبة ، وألم فى الشرج ، هذا غير المزاج السوداوى، فقد كتب مرة : " أنا مكتئب من الآمال المعلقة على الإنسان اللا مبالى . "

وهناك خطابات تشير إلى خطط لمجالات عمل مجهولة لم يستمر بيكيت فيها ؛ فى أحد الخطابات كتب أنه يريد أن يكون مستشارا دعائيا ، وفى خطاب آخر أرسل إلى المخرج الروسى سيرجى آيزنستاين يطلب منه أن يتم قبوله فى مدرسة موسكو القومية للسينما .

وبيكيت شارك فى إعداد رواية جيمس جويس (يقظة فينيجان) ، وجويس يظهر أكثر من مرة فى الخطابات ، كتب بيكيت فى عام 1937 : " أعطانى جويس 250 فرانك عن 15 ساعة عمل على مسوداته ، بالإضافة إلى ذلك زودنى بمعطف قديم وخمس رابطات عنق ، لم أرفض ، فمن الأسهل أن يجرحك أحدهم من أن تجرح أنت الآخرين . "

وفى بعض الخطابات كان يبدو على بيكيت أنه بحاجة ملحة لأصدقائه ، وفى خطابات أخر كان بحاجة لأن يبقى وحده ، كتب ذات مرة : " كل هؤلاء الناس المضجرين وهذه الأماكن القديمة تجعلنى أشعر وكأنى حيوان مائى أجبر على العيش على أرض جافة ، على أرض شديدة الجفاف." ، قد يبدو لنا هذا النص كقطعة من الشعر كتبها رجل عجوز ، رغم أن بيكيت آنذاك كان فى الثانية والثلاثين من عمره .

فى عديد من المواضع فى هذه الخطابات ، يبدو بيكيت وكأنه لن يستمر فى الكتابة ، ولكننا – ونحن ننتظر الأجزاء الثلاثة الأخرى من هذه الخطابات الحاشدة – نرى أنه – لحسن حظنا – سيتمكن من الاستمرار .


ترجمة : أمير زكى


لمن يريد استخدام ترجمة هذا المقال بأى شكل من الأشكال أرجوه أن يذكر اسمىّ المصدر والمترجم

٢٨‏/٠٥‏/٢٠٠٨

الإنسان بين ميتافيزيقا هايدجر وفصل بيكيت الصامت


لم يكن بيكيت بعيداً عن التيارات الفلسفية التى ماج بها عصره ، فبيكيت الذى تأثر بكل من أوغسطين وباركلى وشوبنهاور لا يمكن أن يكون قد تجاهل الفلسفات الدائرة حوله ، ربما لا يمكننا أن نحسبه على فلسفة ما أو على اسم فيلسوف محدد ، بالعكس فبيكيت نفسه قد يكون صاحب فلسفة خاصة ، إلى جانب أنه – بدون قصد منه – مؤسس لمدرسة جديدة فى فن المسرح ، فنحن نبدأ معه تأريخ مسرح العبث أو اللا معقول ، وهو مسرح تمرد على الشكل المسرحى التقليدى الذى لم يتغير كثيراً منذ نظرية أرسطو ، وهو أيضاً أحد كتّاب الرواية الجديدة ، تيار (اللا رواية) فقصصه تقريباً بلا أحداث وبلا ذُرى أو لحظات تنوير .

نحن لا نملك دليلاً مباشراً أو شهادة تؤكد أن بيكيت تأثر بفلاسفة معاصرين مثل هايدجر أو سارتر أو كامى ، يرجع هذا إلى غموض شخصية بيكيت نفسه وندرة حواراته وابتعاده عن دوائر الضوء ، ولكن ليس من الصعب أن نستشف من كتاباته مثل هذه التأثيرات ، فأماكنه المغلقة وشخصياته المحدودة المتعلقة بمصير مشترك فى مسرحيات مثل (فى انتظار جودو) و (نهاية اللعبة) تذكرنا بمسرحية سارتر الشهيرة (لا مفر) ، وكونه أحد رواد مسرح العبث يجعلنا نتذكر فلسفة كامى ، أما عن هايدجر فالمشترك بينه وبين بيكيت هو كلمة (العدم) ، فإذا كانت فلسفة هايدجر وفكرته عن الوجود ترتكز على مفهوم العدم ، فإن أفكار بيكيت الأدبية ترتكز على نفس المفهوم ، وقد لاحظ الناقد ناثان سكوت هذا من قبل ، وخصص الفصل الأخير من كتابه عن بيكيت لبيان العلاقة بين أدبه وبين مقال (ما الميتا فيزيقا) لهايدجر ، سكوت لم يؤكد أيضاً إن كان بيكيت اطلّع على المقال أم لا (1) ، ولكنه قال أن هذا المقال قادر على توضيح الأفكار الموجودة فى أدب بيكيت ، ونحن نرى أيضاً أن أدب بيكيت فى أجزاء منه قادر على توضيح الأفكار الموجودة فى نصوص هايدجر.






ما الميتافيزيقا ؟

" ما الميتافيزيقا " هو نص المحاضرة الافتتاحية التى ألقاها هايدجر يوم 24 يوليو 1929 فى جامعة فرايبورج بمناسبة حصوله على منصب الأستاذية هناك (2) وفيه يحاول هايدجر أن يعرّف الميتافيزيقا عن طريق عرض سؤال ميتافيزيقى ؛ لأن إشكالية الميتافيزيقا كلها متضمنة فى هذا السؤال ، والسائل نفسه أيضاً يكون مطروحاً فى السؤال ، فعلينا أن لا نتجاهل كينونتنا المتسائلة حين نطرح السؤال الميتافيزيقى .

* سؤال عن العدم

يؤكد هايدجر أن امتياز العلم هو أنه يولى الاهتمام كله للشيء وحده ، والهدف من ذلك هو إخضاع هذا الشيء ، والعلم يهتم بهذا الشيء (الموجود) ولا يهتم بما وراءه ، ويرى أنه أقل قيمة ويقول أنه لا شيء (عدم)
*، ويتساءل هايدجر ماذا عن العدم؟

إن السؤال بطريقة (ما هو العدم ؟) مستحيل لأنه يفترض أن العدم شيء ، وهكذا تكون الإجابة أيضاً مستحيلة لأنه من المنتظر أن نقول أن العدم أو اللا شيء هو كذا وكذا . إذن فالتفكير المنطقى مثله مثل العلم ، يرفض العدم .

لكن هل العدم هو مجرد النفى ؟ ، هو مجرد فعل الـ (لا) فى المنطق ؟ ، يرى هايدجر أن النفى هو الذى يتوقف على العدم وليس العكس " إننا نزعم أن اللا شيء هو أكثر أصلية من الـ (لا) ومن النفى . " (3)

ولكن كيف نتساءل إذن عن العدم ؟ ، كيف نبحث عنه ونجده ؟ ، لم يتبق لدينا – بعد العلم والمنطق – سوى الأحوال الوجدانية ، ولكن هل يوجد حال وجدانى يجد فيه الإنسان نفسه أمام العدم ؟

يرى هايدجر أننا نجد أنفسنا أمام العدم بل فى داخله أثناء شعور القلق ، والقلق هنا يختلف عن شعور الخوف الشائع ، فى إنه غير محدد المعالم ، فنحن نقلق من وعلى ، ولكننا لا نعرف مم وعلام .

يقول الألمان فى أحاديثهم " فى القلق يكون الحال بالنسبة للمرء موحشاً" ونحن لا نتحدث عن إنسان أو حال محدد ، ففى القلق تنصرف كل الأشياء عنا ، ولكن لا يصل هذا إلى حد الاختفاء المتعارف عليه ، ولكنه نوع من الانسحاب يترك بعدها شعوراً بالقلق والضيق . " إذ لا يبقى لنا شيء نستند إليه ، وفى انزلاق الموجود بأسره ، لا يتبقى لنا سوى هذا اللا شيء " (4) ما يبقى فقط هو عدم وجود السند .
*

وعندما تنتهى تلك اللحظات النادرة يؤكد الإنسان العدم عندما يؤكد أنه لا يوجد شيء فى الحقيقة قد قلق عليه .

العدم يظهر أثناء القلق ليس كموجود ، " فليس القلق إدراكاً للاشيء " (5) ولكن مع القلق يتجلى العدم ، والعدم لا يكون شيئاً منفصلاً بجانب الموجود ، ولكنه والموجود يتجليان سوياً معاً .

وهذا القلق العدمى هو الشرط لإمكانية تجلى الموجود أمام الإنسان أو الآنية أو الكينونة ، مع تغيير المصطلحات . يقول عبد الرحمن بدوى :
" العدم هو الشرط فى الوجود ، وهو عنصر داخل أساساً فى تركيب الوجود وليس شيئاً مضافاً أو مجرد تصور منفى لمعنى الوجود " (6)

فالآنية أو الكينونة (الوجود الإنسانى) هى " أن يجد الإنسان نفسه واقعاً داخل العدم" (7)

وكون الوجود الإنسانى داخل العدم هو الذى يتيح له التعالى ، وهذا التعالى يجعله قادراً على إقامة علاقة مع الموجود ومع نفسه .

" دون الكشف الأصيل للعدم ، لن يكون ثمة وجود ذاتى ، أو حرية " (8)

إذن فالعدم ليس شيئاً أو موضوعاً ، وليس هو التصور المقابل للوجود ، ولكنه ضرورى من جهة أنه يجعل تجلى الموجود بالنسبة للوجود الإنسانى ممكناً .

" الوجود الخالص والعدم الخالص هما إذن شيء واحد " (9)
** ذلك لأن ماهية الوجود متناهية ولا تتجلى إلا عندما يعلو الإنسان على الموجود من خلال العدم .

وتغلغل العدم هو دائم فى الوجود الإنسانى وإن كان لا يوقظه فى نفس الإنسان سوى القلق ، والقلق يكاد لا يكون ظاهراً عند الإنسان الوجل ذو القرارات المتسرعة ، فى حين يكون أوضح ما يكون عند الإنسان الشجاع . والقلق عند الشجاع ليس سلباً للسرور أو لراحة البال ، وإنما هو نوع من الإبداع الخلاق . (10)
الميتافيزيقا إذن - فى تحليل لغوى – هى السؤال الذى يتجاوز الموجود الذى نسأل عنه رغبة فى استرداده بالفهم مرة أخرى .

" والسؤال عن العدم يضعنا (نحن أنفسنا) ، نحن الذين نتساءل ، موضع السؤال ، ولهذا كان سؤالاً ميتافيزيقاً " (11)

وبهذا تكون الميتافيزيقا هى الحدث الأساسى فى الوجود الإنسانى ، بل تكون هى نفسها الوجود الإنسانى ، لذلك فالوقوع فى أى خطأ فيها يسبب أزمة ، فهى أكثر صرامة من كل العلوم .






فصل بلا كلمات 1

ليس صعباً أن نُظهر ارتباط مفهوم العدم بأدب بيكيت ، حتى لو أخذناه بالمعنى الشائع وليس بالمعنى الذى تحدث عنه هايدجر ، يظهر هذا فى كل نصوصه ، فى فترات الصمت الطويلة فى مسرحه ، حتى فى أثناء الحوار يظهر الفراغ أكثر مما يظهر فى الصمت ، حتى سرده الروائى عبارة عن صمت طويل ، لاحظوا أننا نتحدث عن أديب لا فيلسوف .

زمن بيكيت هو نفس زمن هايدجر (زمن الحاجة) ، زمن يعانى فيه الإنسان من نقص مزدوج : عدم وجود الآلهة التى ولت وعدم وجود الآلهة التى لم تأت بعد (12) ، فى مسرحية (فى انتظار جودو) يختفى جودو تماماً ، لا يتبقى منه سوى وعد مبهم وغامض بأنه سيأتى يوماً ما ، يحافظ على بقاء هذا الوعد فى أذهان الشخصيات كلمات رسول صبى لا يبدو أكثر علماً من فلاديمير واستراجون
*، ولا يبقى أمامهما سوى الانتظار ؛ الانتظار أحد الكلمات السحرية فى أدب بيكيت ، فهام وكلوف ، السيد والعبد فى مسرحية (نهاية اللعبة) ، ينتظران أو يأملان ، هذا الأمل الذى يسقم القلب **، الأول يأمل فى خادم أفضل والثانى يأمل فى مكان أفضل يعمل فيه ، وأيضاً فكراب بطل (شريط كراب الأخير) ينتظر استعادة شيء من ذكرياته القديمة رغم أن ماضيه لم يكن سعيداً جداًَ ، ومالون فى (مالون يموت) يقضى وقته فى انتظار الموت.

كل شخصيات بيكيت تعانى من قلق وجودى ، من هذا القلق الهايدجرى المبهم ، فهم إن كانوا ليسوا من الشجعان فهم أيضاً ليسوا من الوجلين ، فهم يتجرعون وجودهم ببطء شديد ، ويتمثلون عدميتهم فى كل لحظة .

ورغم صلاحية كل أعمال بيكيت لمقارنتها بفلسفة هايدجر إلا أننى اخترت عمل بانتومايم باسم (فصل بلا كلمات 1) لبساطته وتكثيفه الشديد فى عرض الفكرة .

نص ( فصل بلا كلمات 1) كتبه بيكيت فى نهاية الخمسينيات من القرن الماضى ، وهو – كما قلنا – فصل بانتومايم يؤديه ممثل واحد .

لا يحتاج بيكيت أكثر من شخصية واحدة ليصنع مسرحيته ، مثلما لم يحتج سوى أربع شخصيات فى (فى انتظار جودو) ليمثل البشرية كلها من وجهة نظره ، هذه الشخصية ستمثل حالة وجودية وجدانية شاملة ومحورية عند الإنسان بمفهومه العام ، هو لا يحتاج لشخصية أخرى ليصنع حالة اجتماعية وهو لا يحتاج أيضاً للحوار .
قبل ظهور الرجل يكون المكان عبارة عن صحراء جرداء وفى الأعلى ضوء شمس حارق ، نتذكر هنا دلالة ضوء الشمس الحارق عند كامى فى رواية الغريب ، وكيف أنه أجبر البطل مارسو على تنفيذ خطيئته الوجودية التى سيحاسَب عليها بالموت ، وهو أيضاً يدل على الشقاء المتأصل فى الكون ، وببساطة نعرف أن هذا الشقاء ينتظر الإنسان ، فالشقاء لا يتحقق فى الكون وحده ، وهو غير موجود إلا بظهور الإنسان .

يُقذف الرجل على المسرح بظهره من جهة اليمين .

لاحظ أنه يدخل على المسرح بظهره مقذوفاً ، أى رغماً عنه ، فهو ينظر إلى الخارج ، لم يكن يتطلع إلى أن يدخل العالم ، بالعكس فهو ينظر إلى المكان الذى أتى منه بتطلع ، ورغم أن المكان (الكون) سيتحد به فى شقاء دائم ، إلا أنه يشعر أنه لا ينتمى إليه ، أصدق تعبير على هذه الحالة هى جملة صلاح جاهين فى إحدى رباعياته :
لادخلتها برجليا ولا كان لى ميل

تطلّعه إلى الخارج ، إلى المكان الذى جاء منه ، والذى يظن أنه ينتمى إليه يجعله ، بعدما تعثر فور دخوله إلى المسرح وتفكيره فى موقفه ، يستجيب سريعاً للصفارات التى تأتى من اليمين واليسار ، على أمل العودة والهروب من موقفه الغامض الحالى، ولكن خروجه لليمين ثم لليسار يؤدى إلى نتيجة واحدة وهى أن يعود مرة أخرى مقذوفاً إلى المسرح .

يعرف الرجل أنه لا مهرب من هذا الكون ، وأن مصيره معلق به منذ اللحظة التى دخله فيها ، فتتوقف استجابته لصفارات اليمين واليسار ، ويعلم أنه عليه أن يتعامل مع هذا العالم .

ولكن هناك قوة أخرى يشعر أنها تساعده ، قوة عليا ، تبعث أدواتها من أعلى ، فهى ترسل له شجرة يتظلل بها ، يستطيع أن يقضى الوقت تحتها ، ولكن ما أن يبدأ فى قضاء وقت لطيف حتى تتهدل الأوراق لينحسر الظل من عليه ، وهناك قنينة ماء تتدلى إليه من أعلى أيضاً ، فما أن يتجه لإمساكها ليروى ظمأه حتى تعلو مرة أخرى.

تنزل بعض المكعبات الكبيرة ، يمكنه أن يضع الواحد على الآخر ، يقف عليهم فى محاولة الوصول للإناء ، ولكن الإناء يعلو بحيث لا يمكنه أن يصل إليه . ينزل حبل ، يهذبه عن طريق مقص كان قد نزل سابقاً ، يحاول أن يصنع أنشوطة ليصل إلى الإناء ولكن بلا جدوى .

يعرف الرجل أن الأشياء على سكونها تسخر منه ، تسخر من وجوده وهدفه من أجل الحياة والاستمرار ، تنسحب منه الأشياء بحيث لا يبقى معه ما يتعزى به ، يتحول الأمر لديه إلى نوع من الهم والقلق ، مثلما قال هايدجر قلق غير محدد ، قلق وجودى عام ، قلق مما يتهدد إمكانيات الإنسان التى لا تساعده الموجودات على تحقيقها ، حتى عندما فكر فى الانتحار وجد أن فرع الشجرة الذى كان سيعلق عليه المشنقة قد سقط .

والانتحار مازال حلاً قائماً ، ولكنه لم يكن أبداً الحل المثالى أو الأخير فى أدب بيكيت ، فشخصيات (فى انتظار جودو) فكرت فى الانتحار ولكنها لم تفعل ، ربما للخوف من المجهول ، أو للتمسك بأمل لا يجرؤون على التصريح به .

ومع يأس الرجل المطلق يقرر أن يستلقى ولا يتحرك ، حتى مع نزول الإناء إلى أقرب مستوى للرجل ، حتى مع أن الشجرة تورق وتظلل مرة أخرى ، ظل على سكونه ، لم يعد يصدق ، وأنا لا أستطيع أن أحدد ما هو هذا الذى لم يعد يصدقه . ربما قرر أن يدخل فى حالة من النيرفانا ، أو قرر أن يتخلص من إرادته بالمعنى الشوبنهاورى للكلمة ، وربما أراد أن يتمثل العدم بالمعنى الهايدجرى ، ولكننا هنا وعند هذه النقطة نجد أن بيكيت يصمت وينهى مسرحيته مثلما ينهى كل أعماله ، فالعدم عند بيكيت ليس دلالة على أى شيء ، إنما هو يأس مطلق وارتباك دائم ، وحيرة شديدة تؤدى إلى اللا فعل . لم يقل بيكيت أنه فى خطوة ميتافيزيقية سيستطيع الإنسان فهم نفسه وفهم الوجود ، وإنما هو هنا لم يفهم الموجودات ولم يفهم الوجود ، بل فشل فى استيعاب وجوده نفسه واتجه إلى حالة من السلبية التامة .


***


كما قلنا فى بداية هذا المقال ، ليس المقصود هو إظهار تطابق بين فلسفة هايدجر وأدب بيكيت ، وإذا كنا أردنا أن نوضح النقطة التى التقيا عندها فهى شعور القلق الذى يؤدى إلى إحساس شامل بالعدم الذى يلتف حول هذا الوجود ، ولكنهما افترقا ، ذهب هايدجر إلى أننا بواسطة العدم سنستطيع فهم الوجود وإقامة علاقة صادقة مع الموجود الإنسانى ، وأكثر الناس إحساساً بالقلق العدمى هو الرجل الشجاع الذى يتحول قلقه إلى نوع من الإبداع الخلاق ، هكذا يصير المستقبل مفتوحاً لتحقيق إمكانيات الإنسان . أما عند بيكيت فالإنسان كائن قلِق ولن يساعده هذا على التواصل مع غيره من الناس ولا غيره من الموجودات ولا حتى مع الآلهة (لا التى ولت ولا التى ستأتى وحتى التى يقال أنها قائمة) .

يختلف هايدجر عن بيكيت أيضاً فى ثقته فى الشعر وفى اللغة ، تحدث عن ذلك فى مقاله البديع عن الشاعر هيلدرلن ، فالشعر هو أوفر الأعمال حظاً من البراءة ، وهو تأسيس للوجود عن طريق الكلام ، والشعراء ينشئون ما هو باق . (13)

وما أبعد بيكيت – وهو الشاعر أيضاً– عن هذه الرؤية ، فقد قال فى عمله باللغة أنه يعمل فى العجز وفى الجهل ، واللغة عنده هى مجرد تعبير عن عدم التواصل بين الناس ، يظهر ذلك فى الكم الرهيب من سوء التفاهم الذى ساد مسرحياته ، وشخصية الكاتب فى أعماله تكون مشوشة ومرتبكة رثة الثياب مثل استراجون الذى يدّعى أنه شاعر ويقول وهو يشير إلى ثيابه القذرة : أليس هذا واضحاً ، وكون استراجون شاعر لم يمنعه من أن ينتظر جودو بنفس الحيرة والتألم اللذان يشعر بهما فلاديمير . وهام العاجز القعيد الذى يؤلف قصة لا تتماسك ولا تكتمل أبداً فى (نهاية اللعبة) ، ومالون يبحث عن عزاءه فى الفن ، فيحاول أن يسلى نفسه ويقضى وقته المتبقى قبل موته المنتظر (العقاب الوجودى النهائى) فى تأليف قصة ، فتختلط قصته بحياته فلا تنتهى القصة ولا ينتهى عذابه .

***

نحن لا نميل لفكر هذا على ذاك ، ولكننا حاولنا أن نعرض رؤيتين للعالم بدتا متشابهتين . أرجو أن يكون هذا المقال بذرة لدراسة أكبر عن نفس الموضوع ، أو عن موضوع أشمل وهو : التأثيرات الفلسفية على أدب صمويل بيكيت .



أمير زكى



الهوامش

(1) ناثان سكوت ، بيكيت ، ت : مجاهد عبد المنعم ، المؤسسة العربية للدراسة والنشر ، صـ 152
(2) هايدجر ، كتابات أساسية (ج2) ، ت : إسماعيل المصدق ، مقدمة إسماعيل المصدق ، صـ 9
(3) المصدر السابق ، مقال (ما الميتافيزيقا) صـ 21
(4) هايدجر ، مارتن هايدجر ، ت : فؤاد كامل – محمود رجب ، مقال ما الميتافيزيقا ؟ ، ت : فؤاد كامل ، صـ 111
(5) أنظر (3) صـ 25
(6) أنظر (4) تصدير عبد الرحمن بدوى صـ 12
(7) السابق ، مقال (ما الميتا فيزيقا) صـ 115
(8) السابق ، مقال (ما الميتا فيزيقا) صـ 115
(9) السابق ، مقال (ما الميتا فيزيقا) صـ 121
(10) السابق ، مقال (ما الميتا فيزيقا) صـ 118
(11) السابق ، مقال (ما الميتافيزيقا) صـ 123
(12) أنظر (1) صـ 153
(13) أنظر (4) مقال (هيلدرلن وماهية الشعر)
* يستخدم إسماعيل المصدق فى ترجمته لمقال (ما الميتافيزيقا ؟) كلمتى (اللا شيء) و(العدم) بنفس المعنى ونحن سنتابعه فى ذلك .
* لم أجد تعبيراً أصدق على هذه الجملة سوى جزء مبتور من أغنية لفيروز تقول فيها : " على شو مسنود ؟ ، على شى مش موجود " ، الأغنية من تأليف : زياد رحبانى .
** هذا اقتباس عن هيجل ، ولكنه – وحسب هايدجر – يختلف عن رؤية هيجل الذى اعتقد أن الوجود والعدم كذلك لأنهما غير محددين .
* الشخصيتان الرئيسيتان .
** هذه الجملة استخدمها بيكيت فى مسرحية (فى انتظار جودو) ، وهى مقتبسة من سفر أمثال سليمان (الكتاب المقدس – العهد القديم) الإصحاح 13 عدد 12.
***
من يرغب فى المقال على ملف وورد يمكنه مراسلتى على بريدى الالكترونى
من يرغب فى استخدام المقال بأى شكل من الأشكال أرجوه أن يستأذن منى أولاً

١٩‏/٠٤‏/٢٠٠٧

حول مسرحية فى انتظار جودو

مقال لبهاء طاهر
ملحق بترجمة المسرحية فى العدد الأول من مجلة المسرح 1964

مسرحية ( فى انتظار جودو ) هى أولى مسرحيات الكاتب الطليعى ، الأيرلندى الأصل الإنجليزى النشأة الفرنسى بحكم إقامته شبه الدائمة وانتمائه إلى الحركة الثقافية فى فرنسا – صمويل بيكيت . هى أولى مسرحياته ، وهى أيضاً أكثرها رواجاً على المسرح ، وفى النشر وفى الترجمة ، إذ ترجمت إلى حوالى عشرين لغة فى أعقاب صدورها – فلماذا حققت المسرحية هذه الإستجابة المباشرة السريعة .. ؟

لقد عرضت مسرحية فى انتظار جودو لأول مرة فى باريس سنة 1953 فى السنوات الحرجة التى أعقبت الحرب والتى ما زلنا نعيشها على نحو ما ، كُتبت المسرحية فى جو من عدم الثقة والخوف وخيبة الأمل التى عاشتها أوروبا ، وقد عادت الأمور إلى التأزم حتى قبل أن ينجلى غبار المعركة . تلك كانت السنوات العاصفة : حصار برلين وكوريا ، والخطر الرهيب الذى عرف عندئذ لأول مرة ، خطر الإبادة الشاملة : القنبلة الذرية . وتلك أيضاً سنوات إزدهار الفكر الوجودى – فالإنسان فى محنته قد لجأ إلى الفلسفة التى تجعل من محنة الإنسان محورها – السنوات التى كان الناس يقرأون فيها ويكتبون بحماس عن سارتر ، وعن كامى ، وعن سيمون دى بوفوار – سنوات ( الأبواب الموصدة ) و( حالة الحضارة ) و( المثقفون ) – تلك الأعمال التى يجمعها على تباينها منطلق واحد هو إدراك عبث الحياة ومسايرة الوضع الإنسانى .

فى هذه الظروف ظهرت مسرحية ( فى انتظار جودو ) ولسوف نشعر فى المسرحية أن بيكيت قد تأثر بمعاصريه من الوجوديين حتى أن الناقد المسرحى الكبير ( إريك بنتلى ) يقول " إنها مسرحية تتضمن خلاصة الفكر الوجودى . لقد كان يمكن أن يكتبها سارتر "

ولكننا سنشعر أيضاً أن بيكيت يصدر عن أصول أخرى إلى جانب الفلسفة الوجودية ، فهو مشغول بالفكر الدينى المسيحى إلى أقصى حد .. نلمس ذلك من أولى صفحات مسرحيته . على أن النقلة ليست كبيرة كما يبدو لأول وهلة – فإن المسيحية تتضمن كثيراً من أصول الفكر الوجودى – والقديس أوغسطين الذى يعجب بيكيت بآرائه هو من آباء الفكر الوجودى بقدر ما هو من آباء الكنيسة المسيحية ومن قبل القديس أوغسطين فقد أعلن بولس الرسول أن حياة الإنسان على الأرض لا جدوى منها فى حد ذاتها إلا باعتبارها كفارة عن الخطيئة وانتظاراً للخلاص . وتقوم العقيدة المسيحية على أساس أن السيد المسيح بتضحيته قد خلّص الإنسان من الخطيئة الأولى – خطيئة آدم – وفتح أمامه طريق العودة إلى الجنة . وعلى الإنسان أن يعيش حياته على الأرض حاملاً صليبه الصغير ، أو قسطه من العذاب ليكون جديراً بهذا الخلاص . حياة الإنسان على الأرض إذن هى حياة منفى وجهاد ، فعلى الإنسان أن يجاهد ضد الخطيئة الأصلية الكامنة فى الجسد ى إلى أن يتحقق خلاصه الأول قبل يوم الدينونة – عندما يهزم الشر على الأرض فيعيش الناس ألف عام تسود فيها العدالة والخير ، وتزول الآلام والمخاوف ، وتتحقق مملكة السموات . والأناجيل كلها تحض على انتظار ساعة الخلاص هذه التى تجئ عندما يبلغ شقاء الإنسان مداه . هنا إذن نلمس عدة أفكار رئيسية : فكرة الخطيئة الأصلية والنفى ، وفكرة العذاب فى الحياة ، وفكرة انتظار الخلاص الذى لا نعرف فى أى ساعة يجئ ولكن يجب انتظاره وينبغى ألا تغفل العيون عن ارتقابه .

ولسوف تشعر فى مسرحية ( فى انتظار جودو ) أن كثيراً من الأفكار المسيحية تتردد أصداؤها فى ثنايا العمل ، وإن كان يجب أيضاً منذ البدء أن نحذر من أى تفسيرات شاملة للنص مبنية على أفكار مسبقة تفقد هذا العمل كثيراً من جوانبه الثرية ، إن لنا أن ننشد فهمه من خلال وجهة نظرنا ، ولكن ليس لنا أن نقديه فى إسار تفسيرات ميكانيكية قد نطمئن لها ولكن من شأنها أن تحرمنا من رؤية أوسع مدى . والحق أن الإطمئنان ليس هو بالذات الشعور الذى يسعى مثل هذا العمل إلى أن يخلقه فى نفوسنا ، بل إنه القلق ، والجهد الذاتى من المتفرج أو القارئ ، ليلتقى مع الكاتب التقاء مباشراً ويناقش فكرته ، من أجل ذلك سنقتصر فى هذه الكلمة على محاولة استجلاء النص من خلال النص ذاته دون أن نقحم أى أفكار مسبقة ..

وليس فى مسرحية ( فى انتظار جودو ) ثمة أحداث تروى . فلقد ضحى صمويل بيكيت بالعنصر الدرامى ، وبالقاعدى الأرسططالية قاعدة البداية والوسط والنهاية ، وهذا يتفق مع الهدف الذى يرمى إليه والذى يكرره مرات عديدة على لسان شخصياته إذ يقول " لا شيء يحدث " ومن ثم فليست هناك بداية أو نهاية . ولقد استعاض بيكيت عن هذا العنصر الدرامى بما يمكن أن نسميه بالصياغة المسرحية البارعة : بالبانتومايم الأداء الصامت ، وبالطاقة الشاعرية للحوار ، ثم أساساً بالمواقف الكوميدية البارعة . وبيكيت هنا يحمل أمانة التراث الأيرلندى العريق ، تراث وايلد وشو وسينج وأوكيزى ، فهو كاتب كوميدى من الطراز الأول ، يشيع فى حواره الفكاهة والتهكم وحتى النكتة اللفظية . وهو يسمى مسرحيته ( ملهاة مفجعة ) ( تراجيكوميدى ) فيشير بذلك إلى أن حياة الإنسان هى مأساة مفجعة ، أو أن المهزلة فى باطن المأساة ..

وتدور المسرحية فى فصلين لا يتغير فيهما المنظر ، والمنظر هو طريق مقفر ليس فيه سوى شجرة جرداء وهكذا فإننا منذ اللحظة الأولى لارتفاع الستار نواجه فكرة الإجداب التى ترادف عند معظم الكتاب – وكتاب المسرح بوجه خاص – فكرة عقم الحياة وعذاب الإنسان فى منفاه على الأرض . ونلتقى فى هذه البقعة الجرداء باثنين من المتشردين هما استراجون وفلاديمير وهما يذكران المرء بثنائى التهريج المعروف فى السيرك ، أو بلوريل وهاردى وأضرابهما . ونحن نعلم مما يدور بينهما من حوار أنهما مرتبطان ببعضهما ارتباطاً دام زمناًَ طويلاً ، وإنهما يفكران دائماً فى الإنفصال عن بعضهما ولكنهما لا يستطيعان كما يقول فلاديمير " البشرية هى نحن فى هذا المكان ، وفى هذه اللحظة من الزمان " فهما مأسوران إلى بعضهما بحتمية الإجتماع البشرى الذى قد يتوق الإنسان إلى الخلاص منه ولكنه لا يستطيع منه فكاكاً . وفلاديمير هو أعقل الإثنين منذ اللحظة الأولى . فاستراجون كما نعلم يقع دائماً ضحية عدوان فى الليل – إذ يضربه معتدون مجهولون – وقدمه دائماً تؤلمه بسبب حذائه الضيق ، واهتماماته قاصرة على آلامه وعلى طعامه وعلى نومه – وهو كما يصف نفسه ( شاعر ) يدرك الأمور بوجدانه – أما فلاديمير فهو رجل مفكر وعقله مشغول دائماً بمناقشة الآراء ، ولكنه لا يخلو من الآلام الجسدية أيضاً . فهو يعانى من اضطرابات فى أمعائه تضطره دائماً إلى أن يهرول خارج المسرح . يلتقى فلاديمير واستراجون فى عصر كل يوم فى تلك البقعة القاحلة لينتظرا من يدعى ( جودو ) .

وهو شخص ما نعرف أن فى يده خلاصهما مما يعانيان من ألوان الشقاء . وقد وعد جازماً أن يأتى ولكنه لم يحدد الوقت ولذا فإن وصوله متوقع فى أى لحظة . وفى خلال انتظار استراجون وفلاديمير نجد أن المشكلة الرئيسية التى تواجههما هى : كيف يقضيان الوقت ؟ كيف يعيشان إلى أن يحين وقت خلاصهما ، وفلاديمير يحاول فى أول المسرحية أن يجذب انتباه زميله إلى قصة استلفتت نظره فى الأناجيل – هى قصة اللصين المصلوبين اللذين وعد السيد المسيح أحدهما بالخلاص لأنه آمن ، وأدان الآخر لأنه رفض أن يؤمن – ويحاول فلاديمير أن يستخرج من هذه القصة معنى عاماً وهو أن أمل البشرية فى الخلاص مساو لمصير اللصين : خمسون فى المائة . ويرفض استراجون أن يجارى فلاديمير فى اهتمامه بهذه الفكرة ويذهب لينام ، ولكن فلاديمير لا يحتمل الوحدة فيوقظه وإن كان يرفض بعد ذلك أن يستمع إلى حلمه المزعج : فإن تكن الوحدة مستحيلة فإن المشاركة الكاملة أيضاً مستحيلة وعلى كل انسان أن يحتمل كابوسه الخاص . ويقترح استراجون كالعادة أن ينفصلا – ثم يعدلان عن ذلك – ويواجهان من جديد مشكلة الإنتظار والملل . ويقترح استراجون – كحل – أن ينتحرا ولكنهما لا يستطيعان ذلك أيضاً ، ولا يبقى أمامهما إلا أن ينتظرا جودو الذى تخليا له عن جميع حقوقهما – حتى حق البهجة والضحك – فى مقابل وعد منهم بالمعونة .

وبينما ينتظران جودو تظهر على المسرح شخصيتان جديدتان : بوزو وهو شخصية رهيبة متسلطة ، يسوق أمامه تابعه لاكى الذى يحمل متاعه بحبل مربوط فى عنقه .. ويختلف النقاد المسرحيون اختلافاً شديداً فى تفسير هاتين الشخصيتين – فهما عند البعض ( السيد ) و ( العبد ) وعند البعض الآخر ( المضحى ) و (المضحى فى سبيله ) وعند آخرين ( القوة ) و ( العقل ) ونكتفى نحن بأن نشير إلى أن شخصيات المسرحية هى تعبير عن مواقف من الحياة أكثر منها رموزاً – فنحن بعدما التقينا بفلاديمير واستراجون المرتكنين على وعد الخلاص نلتقى ببوزو ، وهو الرجل القوى الذى لا تشغله فكرة الخلاص ، والذى يعلن أن الأرض ملكه ويستنكر أن ينتظر أحد جودو فوق أرضه – أما لاكى التابع الذليل للرجل القوى فهو لم ينطق بكلمة واحدة منذ أن ظهر على المسرح إلا عندما وضعت القبعة فوق رأسه وطلب إليه أن يفكر . فهو إذن رجل الفكر الخالص الذى يسعى إلى أن يفسر كل شيء بالعقل وحده ، صحيح إنه يفشل فى ذلك وأن كلامه يبدو لنا متناقضاً ومضحكاًَ ولكن هذا يتفق وما يريد بيكيت أن يذهب إليه من انهيار سلطان العقل ، كما سنرى فيما بعد .

إن بوزو وإن كان يظهر لنا عند دخوله فى الفصل الأول قوياً مرهوب الجانب إلا إنه يحمل هو أيضاً بوادر انهياره – وأول هذه البوادر هى اعتماده على عبده لاكى فى كل شئون حياته ، وثانيهما حاجته الدائمة إلى صحبة الآخرين والتى تجعله بعد دخوله العاصف يرجو ويلح على استراجون وفلاديمير أن يبقيا معه ، وثالث هذه البوادر حاجته المستمرة إلى أن يبرز نفسه وإلى أن يؤكد ذاته ، ويتمثل ذلك عنده فى رغبته فى أن يكون بليغاً وشاعرياً . ويخبرنا بوزو أن كل الأفكار التى لديه إنما علمها إياه لاكى مفكره أوعقله الخاص ، إذن فقد دخلته أيضاً جرثومة الفكر بالإضافة إلى كل ذلك . وهو يخبرنا بأنه قد ضاق ذرعاً بتابعه وإنه يريد التخلص منه ولكننا نشك فى أنه سيفعل .

وعندما تنقضى فترة على وجود بوزو ويشغل استراجون وفلاديمير لفترة يفقدان اهتمامهما به ويعود الملل يستبد بهما ، وعندئذ يقترح عليهما بوزو أن يرد لهما صنيعهما بأن يستمعا إلى لاكى وهو يفكر . ويستهويهما الإقتراح ، وتوضع القبعة على رأس لاكى ، ، فيبدأ فى التفكير آلياً بمجرد وضع القبعة فوق رأسه ويفكر لاكى بصوت عال تفكيراً غريباً ، يقول فى خطبة طويلة مفككه لا معنى لأى عبارة منها على حدة ، ويرفض أن يكف عن الكلام رغم استنكار فلاديمير واستراجون واحتجاجهما على كلامه غير المفهوم ، إنه ليبدو وكأن العقل – وقد شاخ – اختلطت فيه كل الأفكار ببعضها دون ترتيب أو تنسيق . ولكننا رغم ذلك نستطيع أن نستشف من خطاب لاكى سخرية مريرة من الفكر الأوروبى ومنهاجه ، ومن منجزات هذا الفكر فى الفلسفة واللاهوت والعلم . وهو لا يوحى إلينا بإفلاس هذا الفكر فحسب بل إنه ليوشك أن يتنبأ فى خطابه بانهيار حضارة هذا الفكر ويخبرنا وسط عباراته المضطربة بأن الإنسان " يضمر ويضمحل " ثم يوشك أن يلمح فى نهاية حديثه إلى خطر فناء شامل بتكراره لكلمة " الجمجمة " .

ولا يكف لاكى عن سيل أفكاره التى تشبه ألحاناً تتكرر آلياُ فى اسطوانة قدمية مشروخة إلا عندما تُنزع القبعة من فوق رأسه فى عراك يشتبك فيه الجميع .. وفى خلال هذا العراك يفقد بوزو ساعته ، ويوحى إلينا بيكيت بهذا أنه بانهيار العقل والفكر يفقد الزمن مدلوله .

وعندما يخرج بوزو أخيراً بعد تردد طويل وهو يسوق أمامه لاكى يبقى استراجون وفلاديمير ويدخل غلام نعرف أنهما قد رأياه من قبل ويتوقعان وصوله ، بل وأنهما يعرفان مضمون رسالته . أما رسالته فهى أن جودو لن يصل ولكنه سيأتى فى اليوم التالى بالتأكيد . ولا يبقى أمام استراجون وفلاديمير إلا أن ينصرفا . ويعلنان أنهما ذاهبان ولكن الستار يسدل وهما فى مكانهما لا يتحركان . ويبدأ الفصل الثانى فى اليوم التالى فى نفس الموعد والمكان . يبدأ بفلاديمير وحده يحاول أن يسر عن نفسه بأغنيته عن كلب سرق قطعة من الخبز فضربه الطباخ حتى مات . وتدور معانى هذه الأغنية حول الحرمان والقوة والموت . وهى أفكار تتكرر بصورة أو بأخرى فى خلال المسرحية كلها . ثم يدخل استراجون المسرح بعد قليل وهو فى حالة نفسية سيئة لقد ضربه معتدون مجهولون كالمعتاد ، ولقد نسى كل شيء عن الأمس كالمعتاد . إنها نفس الأشياء القديمة . إنها نفس الحياة المملة . دورة الأشياء المألوفة التى تتعاقب يوماً بعد يوم دون معنى أو هدف . وتثور ثائرة استراجون عندما ينبه فلاديمير إلى أن الشجرة قد أنبتت بضع أوراق ويقول لصاحبه " لقد عشت طوال حياتى القذرة زاحفاً فى الطين وأنت تتحدث إلىّ عن المناظر الجميلة . أنت ومناظرك ، حدثنى عن الديدان "

وهنا يذكر المرء على الفور ما يقوم به بعض الوجوديين الذين يضعون فى مقابل فكرة عبث الحياة فكرة قيمة " الحياة فى ذاتها " أو فكرة الجمال والبهجة الحسية ، ثم يبدو لنا أن بيكيت يرفض هذا الإتجاه فى جملة ما يرفض .

وتمضى المسرحية بعد ذلك فى جزء من أهم أجزائها إذ يحاول استراجون وفلاديمير أن يفعلا شيئاً ما ، أى شيء ولكنهما يفشلان . يفشلان فى تبادل الحديث ، وفى ممارسة هوايتهما المفضلة بتكرار المصادفات التى توحى بإفلاس اللغة كوسيط للفكر ، ويفشلان فى أن يمزحا معاً ، ويفشلان فى أن يلعبا الرياضة ، إنهما يدركان سخف ما يفعلان ، ويجعل هذا الوعى من كل نشاط عبثاً لا معنى له .

ووسط هذا الملل القاسى يدخل بوزو مرة أخرى وهو يسوق أمامه لاكى ، بوزو الآن أعمى وضعيف كما أن لاكى الآن الآن أصم وأبكم ، والحبل الذى يسوق به بوزو لاكى قد صار أقصر من ذى قبل ، إن المسافة بينهما قد اقتربت . لقد انهار الرجل القوى كما انهار من قبل الرجل المفكر . وهو هنا ينهار انهياراً مادياً فهو يتعثر ويسقط على المسرح مع تابعه ويعجزان عن النهوض ويصرخ بوزو طالباً النجدة .. ويقترح استراجون أن يعيناه على النهوض لقاء أجر معين ويرفض فلاديمير هذا ويقترح أن يعيناه بلا مقابل " فنمر الغابة يهب لمساعدة أقرانه بلا تردد " ولكن فلاديمير يمضى فى تبرير وجهة نظره الإنسانية زمناً طويلاً حتى ينسى فى النهاية ماذا كان يردي أن يفعل بينما بوزو مازال يصرخ طالباً النجدة . وأخيراً يتقدم فلاديمير واستراجون لمساعدة بوزو ولاكى فيسقطان هما أيضاً ويعجزان عن النهوض : إنهما حتى حينما اقتنعا بقيمة المساعدة وحاولا أن يساعدا عجزا عن ذلك . هو سقوط رمزى عجز الإنسان فيه أن يمد يده بالمعونة للإنسان وبرزت الحاجة إلى عون خارجى تلمسه استراجون فى سحابة عابرة ولكن هذا العون لم يصل . وأخيراً يرفض فلاديمير واستراجون إلا أن ينهضا بمجهودهما الخاص ويساعدان بوزو على النهوض ..

ويسأل فلاديمير بوزو متى فقد بصره ، فتثور ثائرة بوزو ويقول لسائله " متى .. متى .. فى يوم ما .. أليس هذا كافياً بالنسبة لك ؟ فى يوم ما مثل غيره من الأيام . فى يوم ما أصبح لاكى أبكم ، فى يوم ما أصبحت كفيفاً ، فى يوم ستصير أصماً ، فى يوم ما ولدنا ، فى يوم ما سنموت .. ألا يكفيك هذا ! إنهن يلدننا إلى جانب القبر فيومض الفجر للحظة من الزمان ثم يهبط الليل من جديد ..

إذن فقد فقد الزمن معناه عندما جرد من تتابعه الآلى . وأصبحنا نعى أن هناك خلف التغير الدائم للأشكال لوناً من الجمود المطلق والثبات حيث لا شيء يحدث .

وهكذا فإنه عندما يخرج لاكى يبقى فلاديمير واستراجون فى نقطة البدء . فى نفس النقطة ، فى انتظار جودو . ويغفو استراجون بينما يستبد القلق بفلاديمير وتعذبه هذه الفكرة التى عرضها بوزو فيقول لنفسه : " عندما استيقظ مع صديقى استراجون وننتظر جودو هل نقول أن بوزو قد مر من هنا وتحدث إلينا ؟ ربما .. ولكن أى حقيقة ستكمن فى هذا القول .. إن استراجون لن يعرف شيئاً .. سو يحدثنى عن الضربات التى تلقاها ، وسوف أعطيه جزرة وسيستمر كل شيء كما كان "

ويستمر كل شيء كما كان بالفعل فيأتى الغلام رسول جودو ويبلغ نفس الرسالة : أن جودو لن يأتى اليوم ولكنه سيأتى فى الغد ولن يخلف موعده . نفس الرسالة ونفس ردود الفعل . أسئلة للغلام ، وتفكير فى الإنتحار ، وعجز عن الإنتحار . وتنتهى المسرحية بفلاديمير وهو يطلب من استراجون أن يشد سرواله الذى تهدل ، وبعبارة أخرى أن يواصل الحياة ..

***

إن مسرحية ( فى انتظار جودو ) كما نرى عمل طموح فى نطاقها المحدود وبشخصياتها القليلة تسعى إلى أن تصور محنة الإنسان الشاملة فى أبعادها المختلفة وينجح صمويل بيكيت بمقدرة فائقة على التركيز ، شأن الكاتب المسرحى الموهوب ، فى تحقيق هذا الغرض . ويبدو أن هذا هو اليقين الوحيد الذى يمكن الوصول إليه فيما يتعلق بالمسرحية . ولا يستطيع المرء أن يجزم بمثل هذه السهولة بما يشير إليه بيكيت ، فتجاوز هذا الوضع المأساوى – إن كان هذا يشير إلى أى طريق على الإطلاق – يترك الباب مفتوحاً عن عمد فيرى البعض فى موقفه رفضاً مطلقاً للحياة ، ويرى آخرون إنه موقف شك وتردد ، ويرى غيرهم أن المسرحية دعاء حار من أجل الخلاص .. حسناً ؟ .. لير كل منا ما يريد أن يراه – ولكن اللقاء المباشر بين الكاتب والقارئ كما ذكرنا – هو السبيل الوحيد إلى رؤية أبعد مدى .


١٣‏/٠٤‏/٢٠٠٧

عن الترجمة

بمناسبة ذكرى ميلاد صمويل بيكيت ، وُلد فى 13 إبريل 1906 ، نشرت ترجمة فايز اسكندر لمسرحية (فى انتظار جودو) وأرجو أن تسد هذه الترجمة فراغاً فى المكتبة الإلكترونية العربية ، وأن تفيد كل انسان سمع عن المسرحية ولم يقرأ النص نفسه ، ولكن كما نعرف جميعاً فالترجمة خيانة ، وترجمة نص كمسرحية (فى انتظار جودو) يعبر بالضرورة عن خيانة فادحة ، لذلك على كل من يقرأ هذه الترجمة أن يأخذ حذره ، والأفضل أن يكون قد قرأ النص بإحدى لغتيه الأساسيتين (كتب بيكيت المسرحية باللغة الفرنسية وترجمها بنفسه إلى الإنجليزية) وقراءة النص بالإنجليزية – من وجهة نظرى – ليس عملاً صعباً جداً – أنا لا أتقن الإنجليزية تماماً وقرأت المسرحية واستمتعت بها – انما قراءة هذه الترجمة من دون الرجوع للنص الأصلى هو العمل الأصعب . وقد يكون هذا غريباً أن أجهد نفسى فى نقل الترجمة ثم أقول أنها ليست كافية ، لكننى أفضل أن أكون أميناً أمام القارئ ، ففايز اسكندر كان ذكياً فى بعض الأحيان ولكنه أخطأ أخطاء فادحة فى أحيان أخرى ، وأعتقد أنه ترجم المسرحية بسرعة ، خاصة وأن نص الترجمة لم ينشر فى كتاب منفصل إلا بعد أن نشر فى مجلة (وهى مجلة المسرح – كانت تصدر فى الستينيات ، والعدد الأول منها وهو الذى نقلت منه النص فأنا لم أجد الكتاب نفسه) . فكرت للحظات أن أتدخل لعلاج بعض الثغرات ، إلا أننى قررت فى النهاية أن أنقل الترجمة كما هى . ولكنى أضع فى ذهنى مشروع لمراجعة النص مع إضافة التدخلات والحواشى التى أراها مناسبة ، وهو مشروع مرهق ويحتاج جهد كبير ، ولا أعرف هل أقدّمه على مشروع نقل ترجمة مسرحية (نهاية اللعبة – ترجمة بول شاوول) أم لا . ولكن قبل ذلك علىّ أن أطلع على ترجمة أخرى لـ (فى انتظار جودو) اكتشفت وجودها من أيام قليلة من خلال معلومة من الشبكة وهى للفلسطينى جبرا ابراهيم جبرا ، أملى كبير أن أجد هذه الترجمة فى القاهرة . وأرجو من المهتمين المساعدة فى هذا الشأن .

لدىّ أشياء أخرى أقولها :

أولاً : يمكنكم نقل هذه الترجمة إلى منتدياتكم و مدوناتكم و مكتباتكم الإلكترونية ، لكن عليكم أن تذكروا اسمى بيكيت واسكندر واسم المدونة .

ثانياَ : من يريد الترجمة على ملف وورد يمكنه مراسلتى على البريد الإلكترونى ، ومن جهة أخرى سأحاول طرح الملف للتحميل .

ثالثاً : من يريد قراءة النص بالإنجليزية يمكنه ذلك عن طريق موقع صمويل بيكيت .

الفصل الأول

الفصل الثانى

والمسرحية متوفرة بالإنجليزية فى المكتبات الكبرى بالقاهرة